ابن أبي العز الحنفي
377
شرح العقيدة الطحاوية
لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه ، وهو حجة على من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به ! ! فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد . وقوله : وعلى من مات منهم - أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار ، وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطّاع الطريق ، وكذا قاتل نفسه ، خلافا لأبي يوسف ، لا الشهيد ، خلافا لمالك والشافعي رحمهما اللّه ، على ما عرف في موضعه . لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنّا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور ، لا للعموم الكلي ، ولكن المظهرون للإسلام قسمان : إما مؤمن ، وإما منافق ، فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له ، ومن لم يعلم ذلك منه صلي عليه . فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصلّ هو عليه ، وصلى عليه من لم يعلم نفاقه ، وكان عمر رضي اللّه عنه لا يصلي على من لم يصلّ عليه حذيفة ، لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين ، وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم عن الصلاة على المنافقين ، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره ، وعلّل ذلك بكفرهم باللّه ورسوله ، فمن كان مؤمنا باللّه ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه ، ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو الفجورية ما له ، بل قد أمره اللّه تعالى بالاستغفار للمؤمنين ، فقال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ محمد : 19 . فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات ، فالتوحيد أصل الدين ، والاستغفار له وللمؤمنين كماله . فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات ، إما واجب وإما مستحب ، وهو على نوعين : عام وخاص ، أما العام فظاهر ، كما في هذه الآية ، وأما الدعاء الخاص ، فالصلاة على الميت ، فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون ان يصلوا عليه صلاة الجنازة ، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له ، كما روى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء » « 487 » .
--> ( 487 ) اسناده جيد « احكام الجنائز » ( 123 ) و « ارواء الغليل » ( 732 ) .